الشيخ محمد اليعقوبي

338

فقه الخلاف

وقد ذكرنا هناك القرائن على هذا التقدير « 1 » ومنها ما ورد في جزئها الآخر ( لا تصم ذلك اليوم الذي يُقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار ، فإن فعلوا فصم ) والظاهر منه أن النظر إلى جميع أهل الصلاة بلحاظ بلدانهم وانتشارهم بالأمصار . ويجب الالتفات هنا إلى أن هذا التقييد بلحاظ بلد الرؤية ، لا بلحاظ من يجري عليهم حكم الرؤية ، أي أن التقييد ببلدان أهل الصلاة من حيث الرائين فيجب أن تكون الرؤية في واحدة من بلاد المسلمين ، فيثبت الشهر في حق جميع المسلمين وإن لم يكونوا في بلاد الإسلام لأن إطلاقات البينة والرؤية والإطلاقات الخاصة جارية فيهم من غير تقييد . ونتيجة ذلك : أن الهلال إذا رئي في بلاد الإسلام جرى حكمه على المسلمين جميعاً حتى وإن كانوا مغتربين في غير بلاد الإسلام تمسكاً بالإطلاقات التي ذكرناها في وجوه الاستدلال على القول الثالث كإطلاقات البينة والأدلة الخاصة وغيرها . وإنما ورد التقييد في جانب بلد الرؤية فقط . ويمكن أن يرد على هذا الاستدلال إشكال ذكرنا مثله في المسألة السابقة « 2 » حاصله عدم التنافي بين المطلقات ( أي مصر ) وهذا المقيَّد ( بلدان أهل الصلاة ) لأنهما مثبتان فلا مسوغ لحمل المطلق على المقيّد وإنما يؤخذ بإطلاقه ، نظير الخطابين المثبتين ( أعتق رقبة ) و ( أعتق رقبة مؤمنة ) فإنه لا تعارض بين الخطابين ويمكن الأخذ بهما معاً ، وتحمل الصفة الزائدة على عناية زائدة كالاستحباب . وبتعبير آخر : إنما يقع التنافي لو كان للجملة المقيدة مفهوم فيُقيّد به إطلاق الآخر ، والجملة هنا ليس لها مفهوم . وقد قلنا في جوابه : إن هذا الكلام صحيح كبروياً لو كان الجعل متعدداً ، كما لو قال المولى : ( أكرم العلماء ) وقال : ( أكرم العلماء العلويين ) فهنا يجب إكرام مطلق العلماء مع عناية زائدة بالعلويين منهم ولا يقيَّد الأمر الأول بهذا القيد الزائد .

--> ( 1 ) راجع صفحة 304 . ( 2 ) صفحة ( 227 ) من هذا الجزء .